الشنقيطي
359
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الْأَعْلى ( 24 ) [ النازعات : 24 ] ، وقوله : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] ، وقوله : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) [ الشعراء : 29 ] . وقال بعضهم : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أنا ، أم موسى أشد عذابا وأبقى . وعلى هذا فهو كالتهكم بموسى لاستضعافه له ، وأنه لا يقدر على أن يعذب من لم يطعه ؛ كقوله : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ [ الزخرف : 52 ] الآية . واللّه جل وعلا أعلم . واعلم أن العلماء اختلفوا : هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به ، أو لم يفعله بهم ؟ فقال قوم : قتلهم وصلبهم . وقوم أنكروا ذلك ، وأظهرهما عندي : أنه لم يقتلهم ، وأن اللّه عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ باللّه تعالى ؛ لأن اللّه يقول لموسى وهارون : أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 ) [ القصص : 35 ] والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 72 ) [ 72 ] . قوله : لَنْ نُؤْثِرَكَ أي لن نختار اتباعك وكوننا من حزبك ، وسلامتنا من عذابك على ما جاءنا من البينات ؛ كمعجزة العصا التي أتتنا وتيقنا صحتها . والواو في قوله وَالَّذِي فَطَرَنا عاطفة على « ما » من قوله : عَلى ما جاءَنا أي لن نختارك عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ ولا على وَالَّذِي فَطَرَنا أي خلقنا وأبرزنا من العدم إلى الوجود . وقيل : هي واو القسم والمقسم عليه محذوف دل عليه ما قبله ؛ أي وَالَّذِي فَطَرَنا لا تؤثرك عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ ، فَاقْضِ ما أي اصنع ما أنت صانع . فلسنا راجعين عما نحن عليه إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 72 ) أي إنما ينفذ أمرك فيها . ف « هذه » منصوب على الظرف على الأصح . أي وليس فيها شيء يهم لسرعة زوالها وانقضائها . وما ذكره جل وعلا عنهم في هذا الموضع : من ثباتهم على الإيمان ، وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون ووعيده رغبة فيما عند اللّه - قد ذكره في غير هذا الموضع ؛ كقوله في « الشعراء » عنهم في القصة بعينها : قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 50 ) [ الشعراء : 50 ] . وقوله في « الأعراف » : قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 125 ) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) [ الأعراف : 125 - 126 ] . وقوله : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ عائد الصلة محذوف ، أي ما أنت قاضيه لأنه مخفوض بالوصف ، كما أشار له في الخلاصة بقوله : كذاك حذف ما يوصف خفضا * كأنت قاض بعد أمر من قضى ونظيره من كلام العرب قول سعد بن ناشب المازني : ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت * يميني بإدراك الذي كنت طالبا